
أسم الدير: سمي "دير الجب" كما ذكره ياقوت الحموي، لكونه موقع اختفاء اجساد الشهداء بهنام واخته سارة ورفاقه الاربعين، وكون الجب المبنى الاول في هذا الدير حيث ضريح الشهداء بحسب سيرة الشهيدين ورفاقهما(1) (وهي المصدر التاريخي الوحيد عن نشأته). تمّ تشييده بتكليف من مار متى، وقد تعاون الراهب ابراهيم مع والدة الشهيد في اقامة القبة. وبعدها، وبموافقة مار زكا خليفة مار متى، وعرفانا منه نحو الامير الشهيد الذي شفى عبده الممسوس باعجوبة، قام المؤمن اسحق الساساني الذي كان قاصدا بيت المقدس، ببناء الهيكل وبعض الغرف لسكنى الرهبان الذين يخدمون المقام وزائريه، واحاطه بسور ضخم. كان ذلك بعد الاضطهاد الشابوري، بعد ركود العاصفة التي اثارتها المجوسية على المسيحية في بلاد ما بين النهرين، واثور في اواخر القرن الرابع الميلادي.
وسمي الدير بـ "دير الخضر" (2) و"الخضر" اثبتها الزمخشري نباتا حسنا و"بفتحتين" تعني الاخضلال ونمو الحياة وعدم الاضمحلال. تطلق هذه التسمية أيضاً على الاولياء والقديسين اصحاب الشفاعات، وبهذا المعنى اطلقت على الشهيد مار بهنام المعروف بشفاعاته، يقصده المصابون بالامراض المستعصية فينالون الشفاء.
موقع الدير: يقع الدير على مسافة 36 كم الى جنوب شرق الموصل في سهل منبسط بين دجلة والزاب الكبير بجوار قريتي الخضر والبساطليه مركز ناحية النمرود (حالياً) التابعة لقضاء الحمدانية.دور الدير الكنسي: مما تقدم تبين ان هدف بنائه كان تكريما لرُفات الشهداء، فاصبح مزارا يقصده المرضى وذوو العاهات للاستشفاع والشفاء، أي انه لم يكن كباقي الاديرة يؤمه الرهبان للصلاة والتنسك. وعبر مرور الزمن تطور هدفه واخذ يواكب العمران والعلم والمعرفة، فللدير دور بارز في الكنيسة السريانية اسوة بالاديرة الاخرى. ولكن، بسبب موقعه الجغرافي الهامشي، والكوارث والاحداث المريرة والهزات العنيفة التي حلت بهذه الديار من بطش الفرس الذين لم يعرفوا الا التدمير والتخريب، ومن عبث المغول والتتر الذين لا يحترمون الانسان والعلم والتقدم، فُقدت المصادر التاريخية المدونة وبقيت معلوماتنا عن بدايات هذا الدير التأسيسية ضئيلة. ظل الدير يقفر مرة من سكانه، واخرى تعود اليه الحياة الرهبانية فيزدهر وينتعش. يذكر الاب سوني(3) ان "اول ذكر ورد لتجديد مذبح دير مار بهنام كان سنة 1164م، ويستطرد مستدركا لعلَّ الدير كان مدمرا بسبب غزو او كارثة قد حلت به، لا تذكرها رخامة هذا التجديد". وهكذا على مر الزمن مرَّ الدير بفترات ازدهار وانتعاش عقبها خراب وركود وجمود وانكماش. لكن كانت، رغم كل ذلك، ارادة المؤمنين اقوى من عاديات الزمن. فنرى الحياة تدب فيه بنشاط فائق على يد التكارته المهاجرين الى هذه الديار في اواخر القرن العاشر حاملين الثقافة والنفوذ والادب والفن والثروة فقاموا بالاعمار والبناء. كان ثمرة جهودهم "المتحف الرائع" اعني به كنيسة مار بهنام التي تعتبر من اجمل واندر التحف المعمارية الفنية القائمة الى يومنا هذا. لقد اصبح الدير في القرن الثاني عشر مزدهرا عامرا برهبانه واكتسب شهرة واسعة بفضلهم كما ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان، حتى اخذت شهرته تجذب عامة الناس والرهبان منهم خاصة حيث جنح كسرون الراهب الرهاوي والخطاط الشهير ان يمضي حياته فيه، فتوفي ودفن فيه عام 1139م، (كما ذكر ابن العبري في تاريخه الكنسي). فكبر دور الدير وعلا شانه حيث غدا في نهاية القرن الخامس عشر وحتى الربع الاول من السابع عشر مقرا للمفريانية التي كان كرسيها في تكريت من سنة 628م وحتى القرن الثاني عشر قبل ان ينقل الى الموصل، ومن بعدها الى دير مار متى، ومن ثم اليه، وكان اول مفريان في دير مار بهنام هو مار ديوسقورس الثاني بهنام شتى الاريوي عام 1415م. اما اخر مفريان ذكره ابن العبري فهو مار باسيليوس ابراهيم الثالث (1496 – 1508م). بعدها اصبح الدير مركزا لاهم ابرشية في نينوى "ابرشية مار بهنام وبخديدا". وانتعشت هذه الابرشية في القرن الثامن عشر خاصة في عهد المطران ايوانيس كارس الباخديدي، ويعتبر عصره العصر الذهبي، وبعد موته تقلصت اهمية هذه الابرشية. وكان اخر المفارنة فيه هو ايوانيس بهنام عيسى الموصلي المتوفي سنة 1777. وظل الدير منسيا مهجورا لا يهتم به احد بسبب غياب الامن والاستقرار. وتؤكد رسالة(4)خدر ابن عيسى يوحنا الموجهه الى البطريرك جروة سنة 1787م الضائقة الروحية التي تمر بها بخديدا ودير مار بهنام فيطلب فيها ان: "…ترسل من عندكم فرد مطران يقضي اشغالنا واشغالهم لان دير القديس مار بهنام فارغ وليس فيه احد اتت [الدواسن] وسكنت في الهيكل هم ونسايهم واولادهم ودوابهم لان مدة ايام اتا ربان هندي من دير الزعفران وقبل الحله من يد الكهنة وطاع الى الكنيسة الكاثوليكية وانطلق اخذ من الحاكم سند ومن القاضي حجة ومن المفتي ايظا وطلع اخرج الدواسن من الدير وسكن مدة ثلاثة اشهر واكثار ان يأتي ويزور قدسكم فليس تتمم الله الامر معه حتى قبظ روحه ومات وبقى الدير خراب واتو [الدواسن مرة ثانية وسكنوا في الدير وخربوه بالتمام]. وفي عام 1790م رقىّ البطريرك ميخائيل جرورة الخوري بشارة اخطل الى الرتبة الاسقفية على كرسي دير مار بهنام وسماه قورلس وولاه على جميع السريان القاطنين في بلاد الجزيرة والعراق من جزيرة ابن عمر حتى البصرة. وفي عام 1794م رمم الاسقف بشارة دير مار بهنام الذي كان مدمرا، واخذ يتابع امور ادارته. وكان الدير عامرا مأهولا حتى سنة 1819م(5) "حيث انتشرت مجاعة هائلة في الموصل وضواحيها ولما اشتدت وطأتها واستحكمت حلقاتها، هجم البجوان المقيمون في قرية الخضر على الدير وسلبوه وتركوه قاعا صفصفا فلجأ رهبانه الى الهزيمة واتخذوا لهم مأوى في اديار اخرى". وفي عام 1839م جرت قسمة الاوقاف في ابرشية الموصل بين الطائفتين السريانيتين الشقيقتين في عهد المطران عيسى محفوظ مطران الموصل فكان دير مار بهنام من حصة الكاثوليك.
وسنة 1900م قدم البطريرك افرام رحماني الى الموصل بزيارة تفقديه فأشار الى وجوب الاهتمام بالدير، فرممه واشترى عقارات كثيرة تكفل معيشة الرهبان، وبدأت الحياة الرهبانية فيه من جديد. في عام 1902 نصب القس افرام نقاشة الموصلي رئيسا عليه. وفي سنة 1910م بينما كان رئيس الدير الاب بهنام قليان يبذل قصارى جهده في تنظيم الدير جاءت الحرب العالمية الاولى لتشل من نشاطه وتضاعف من مسؤولياته عندما احتلت القوات التركية الدير وحولته الى مستشفى عسكري. ولكن الرئيس استطاع باسلوبه وفطنته ابعاد الاذى عن الدير.
وفي سنة 1916م اغلق معهد مار يوحنا الحبيب الكهنوتي بالموصل الذي كان يديره الاباء الدومنيكان بسبب نشوب الحرب بين فرنسا وتركيا فانضم تلاميذه الى رهبان الدير لمتابعة دروسهم الكهنوتية برئاسة القس بهنام قليان ومساعدة الاب حنا حبي. ولكن مع ارتقاء الاب الرئيس منصب الاسقفية تفرق شمل التلاميذ.
ترأس الدير من سنة 1910 حتى سنة 1982م، اثنا عشر رئيسا كان ابرزهم الخور اسقف افرام عبدال (1936-1966) ولمدة ثلاثين عاما وقد نشر عنه كتابا بعنوان "اللؤلؤ النضيد في تاريخ دير مار بهنام الشهيد" ومطبوعات اخرى ترفع من شأن الدير وشفيعه.
في 11 نيسان 1982 عين الاب فرنسيس جحولا رئيسا للدير بالوكالة وثبت في منصبه في 20 كانون الثاني 1983 فبذل حهوداً في البناء، والترميم والزخرفة والتنظيم بحيث اصبح الدير تحفة من الناحية العمرانية والهندسية، وصار الدير ملجأ آمنا وهادئا للقاءات والاجتماعات والمؤتمرات والرياضات الروحية لمختلف الانشطة الكنسية. اضافة الى استقباله الزوار من كل مكان وفي كل الاوقات للصلاة والنذور والراحة….
مكتبة الدير: عندما نتكلم عن الدير وتاريخه لا يجوز السكوت عن مكتبته وتاريخها، لانها عانت ما عاناه من الهجمات والنكبات والنهب والسلب. فمن المؤكد ان رهبان الدير بجانب صلواتهم واشغالهم الاخرى كانوا يُمضون معظم وقتهم في المطالعة والتأليف واستنساخ المخطوطات، لكن الهجمات الهمجية التي شنت على الدير قد اتلفت تلك الكنوز ففقدتها الكنيسة السريانية والعراق والانسانية. تذكر كتابة في الدير ـ وقد غزاه بيدوقآن عام 1295م ـ ان هذا الغازي لم يترك في الدير سوى الانجيل ورفات الشهيد(6). ويذكر الاب سوني، ان الدير، لم يسلم فيه من كتب القرن الخامس عشر والسادس عشر سوى مخطوطة واحدة مخزونة في مكتبة قره قوش. وهنا لا ننسى التذكير بغزو نادر شاه طهماسب عام 1743م لهذه المنطقة مما تسبب في هلاك خلق كثير ومخطوطات نفيسة. واما اكثرية المخطوطات المتبقية سواء في الدير ام في المكتبات الاخرى، ترقى الى القرنين السابع عشر والثامن عشر، أي الى الفترة التي اصبح الدير فيها مقرا للاسقفية عندما اعاد الرهبان تجديد ديرهم جددوا مكتبته فاعيدت اليه بعض الكتب والمخطوطات التي سلمت من الدمار والضياع. كما اهديت اليه طائفة من الكتب المطبوعة والمخطوطة دعما واغناء لها. كما ان معظم مخطوطات مطرانية السريان الكاثوليك في الموصل قد ضُمت الى مكتبة الدير. وساهم كثيرون في تعزيزها وخاصة من اهالي قره قوش ومنهم القس ميخائيل القس موسى احد رؤساء الدير في 1902م، وقد اوصى بمكتبته بعد وفاته لدير مار بهنام.
بعد مجاعة 1820م حمل رئيس الدير الياس هندي كرمة الموصلي امتعة الدير الثمينة ومكتبته على خمسة عشر بغلا بحراسة ثلاثين رجلا مسلحا من قره قوش وبرطلة وتوجه بها الى الموصل، ومنذ ذلك التاريخ اختفت اثار عدة مخطوطات كانت تخص الدير، فتشتت وفقدت.
اهتم رؤساء الدير بالتعاقب ومنذ عام 1839 حتى اليوم اهتماما بالغا بمكتبة الدير، التي تعتبر حقا مفخرة للكنيسة السريانية وللعراق لاحتوائها على الاف الكتب والاسفار النفيسة المخطوطة او المطبوعة بلغات عديدة، والتي من ضمنها اكبر مجموعة خطية سريانية، وينيف عددها على 495 مخطوطة مختلفة الخطوط واللغات، منها السريانية، العربية، الفارسية، التركية، اللاتينية، الفرنسية، الانكليزية، والايطالية. أملنا ان تزدهر هذه المكتبة الثمينة بمستوى ازدهار ديرها. v
(1) وردت هذه السيرة في عدة مخطوطات، نشر نصها السرياني الاب بولس بيجان في موسوعته (سير الشهداء والقديسين: شربي دسهدي وذقديشي) المجلد الثاني باريس 18919 ص397-442 نقلها الى العربية بشيء من التصرف المطران ادي شير. وجاءت تحت الرقم 25 من شهداء المشرق للاب البير ابونا الجزء الاول .
(2) تاريخ الموصل الجزء الثالث (ديار الموصل الاهلة) القس سليمان الصائغ الموصلي 1923
(3) بخديدا نصوص سريانية وكرشونية… الاب بهنام سوني 1998
(4) بغديدا للأب سوني، ص589.
(5) كتاب اليوبيل المئوي السادس عشر، اعداد وتنسيق الأب جرجس القس موسى (دير مار بهنام في التاريخ الكنسي: الخور اسقف فرنسيس جحولا ص173).
(6) كتاب اليوبيل المئوي السادس عشر. اعداد وتنسيق الأب جرجس القس موسى. (مكتبة دير مار بهنام / المخطوطات السريانية للأب الدكتور بهنام سوني ص155).